محمود علي قراعة
166
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا
لتدرك منقطع قدرته ، وحاول الفكر المبرأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته ، وتولهت القلوب إليه ، لتجري في كيفية صفاته ، وغمضت مداخل العقول من حيث لا تبلغه الصفات لتناول علم ذاته ، ردعها وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب ، متخلصة إليه سبحانه ، فرجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ، ولا تخطر ببال أولي الرويات خاطرة من تقدر جلال عزته ، الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ولا مقدار احتذى عليه من خالق معهود كان قبله ، وأرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته ، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قوته ، ما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته ، وظهرت في البدائع التي أحدثها آثار صنعته وأعلام حكمته ، فصار كل ما خلق حجة له ودليلا عليه ، وإن كان خلقا صامتا فحجته بالتدبير ناطقة ودلالته على المبدع قائمة ، وأشهد أن من شبهك بتباين أعضاء خلقك وتلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك ، لم يعقد غيب ضميره على معرفتك ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ندلك ، وكأنه لم يسمع تبرء التابعين من المتبوعين ، إذ يقولون تالله إن كنا لفي ضلال مبين ، إذ نسويكم برب العالمين ، كذب العادلون بك ، إذ شبهوك بأصنامهم ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم ، وجزأوك تجزئة المجسمات بخواطرهم ، وقدروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم ، وأشهد أن من ساواك بشئ من خلقك ، فقد عدل لك ، والعادل بك كافر بما تنزلت به محكمات آياتك ونطقت عنه شواهد حجج بيناتك ، وأنك أنت الله الذي لم تتناه في العقول ، فتكون في مهب فكرها مكيفا ولا في رويات خواطرها ، فتكون محدودا مصرفا ! قدر ما خلق فأحكم تقديره ، ودبره فألطف تدبيره ، ووجهه لوجهته فلم يتعد حدود منزلته ، ولم يقصر دون الانتهاء إلى غايته ، ولم يستصعب إذ أمر بالمضي على إرادته ، وكيف وإنما صدرت الأمور عن مشيئته ، المنشئ أصناف الأشياء بلا روية فكر آل إليها ولا قريحة غريزة أضمر عليها ، ولا تجربة أفادها من حوادث الدهور ، ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور ، فتم خلقه